محمود محمود الغراب
119
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
من قال هون صعبه قلنا له * ما كل صعب في الوجود يهون هو من صفات العشق لا من غيره * والعشق داء في القلوب دفين ما حكم هذا النعت إلا ههنا * وهناك يذهب عينه ويبين فالشوق يسكن باللقاء ، فإنه هبوب القلب إلى غائب ، فإذا ورد سكن ، والاشتياق حركة يجدها المحب عند اجتماعه بمحبوبه فرحا به ، لا يقدر يبلغ غاية وجده فيه ، فلو بلغ سكن ، لأنه لا يشبع منه ، فإن الحس لا يفي بما يقوم في النفس من تعلقها بالمحبوب ، فهو كشارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ازداد عطشا ، قال عليه السلام : « منهومان لا يشبعان : طالب علم وطالب دنيا » من حيث ما هو محب في تحصيل كل واحد منهما ، وما للعلم غاية ينتهي إليها فلهذا لا يشبع ، وكذلك الدنيا فإنها مشتهى النفوس والشهوة تطلبها ، ولولا الشهوة ما طابت الجنة ، فالشوق ما سكن ، والاشتياق ما بقي . ( ف ح 2 / 340 - ح 3 / 393 - ح 2 / 364 ) ولنا في هذا الباب : ليس يصفو عيش من ذاق الهوى * دون أن يلقى الذي يعشقه فإذا أبصره يسكّنه * ذلك المعنى الذي يقلقه وهو معنى حكمه مختلف * عند من يعرف ما أطلقه وإن كان الحب لا يتعلق إلا بمعدوم كما قدمنا ، لذلك الشوق لا يصح أن يتعلق بحاضر ، وإنما متعلقه غائب غير مشهود له في الحال ، ولذا كان الشوق من أوصاف المحبة ، ولهذا يطّرد وينعكس ، فيقال : كل محب مشتاق ، وكل مشتاق محب ، ومن ليس بمشتاق فليس بمحب ، ومن ليس بمحب فليس بمشتاق ؛ وقد ورد خبر لا علم لي بصحته ، أن اللّه تعالى ذكر المشتاقين إليه وقال عن نفسه : إنه أشد شوقا إليهم ، كما يليق بجلاله « 1 » ، فشوقه إليهم أن ينيلهم الراحة بلقاء من اشتاقوا إليه ، والوقت المقدر الذي لم يتبدل لم يصل ، فلا بد من تأخر ما وقع الشوق الإلهي إليه ، هذا إن صح الخبر ، ولا علم لي به لا من الكشف ولا
--> ( 1 ) هو قوله تعالى لداود عليه السيلام : « يا داود إني أشد شوقا إليهم » يعني المشتاقين إليه سبحانه . كما جاء في الخبر .